علي بن أحمد المهائمي
19
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )
النبات من البدر ( تارَةً أُخْرى ) هي تارة البعث ( وَ ) لم نقتصر معه على هذه الآيات بل واللّه ( لَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا ) على الأمور الأخروية والمعارف الإلهية ( كُلَّها ) الفعلية والقولية العقلية والنقلية ( فَكَذَّبَ ) جميعها ( وَأَبى ) ان ينقاد لشئ منها أو من مقدماتها ( قالَ ) انما تنقاد لما يفيد الزيادة أو التقرير ( أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا ) بان نصير عبيدا لغيرنا فلا يطيعنا أحد ممن يطيعنا لا بعسكر منك بل ( بِسِحْرِكَ يا مُوسى ) وانما يتأتى لك الاخراج لو لم يعارض سحرك ( فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ ) يعارضه ولا بدّ لظهورها من تعيين زمان ومكان ( فَاجْعَلْ ) للاجتماع ( بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً ) من مكان وزمان فإن لم تعين لنا زمانه فاجعله بحيث ( لا نُخْلِفُهُ ) اى الموعد ( نَحْنُ وَلا أَنْتَ ) بأن نأخذ أو تأخذ ( مَكاناً سُوىً ) اى يساوى جميعنا ذلك المكان ( قالَ ) موسى لا أخاف من تعيين الموعد الزماني ( مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ) أي العيد ( وَ ) لا يكفى فيه تعيين اليوم لطوله بل يعين له وقت ( أَنْ يُحْشَرَ ) اى يجمع ( النَّاسُ ) فيه وهو وقت ( ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ ) اى اشتغل بتحصيل أسباب المعارضة فلم يحصل له أسبابها بالحقيقة ( فَجَمَعَ كَيْدَهُ ) اى ما يوهم القاصرين انه من أسباب المعارضة ( ثُمَّ أَتى ) ذلك المكان في ذلك الوقت لا مع أسباب المعارضة التي هي المقصودة من ذلك الموعد ( قالَ لَهُمْ مُوسى ) احذروا ( وَيْلَكُمْ ) من زعمكم ان آيات اللّه يمكن معارضتها أو ان له شريكا يعارضه ( لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً ) بأنه عاجزا وانه يشارك في قدرته ( فَيُسْحِتَكُمْ ) اى فيستأصلكم ( بِعَذابٍ ) من افراط غضبه عليكم ( وَقَدْ ) علمتم انه ( خابَ مَنِ افْتَرى ) على مخلوق فكيف من افترى على الخالق ( فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ) هل لنا ان نعارضه لكونه ساحرا مثلنا أم لا لأن امره سماوي ( وَأَسَرُّوا النَّجْوى ) انه لو غلبنا اتبعناه ولما رأى فرعون وقومه منهم ذلك ( قالُوا ) للسحرة ( إِنْ ) اى ان الشان ( هذانِ ) ساحران انهما ( لَساحِرانِ ) لا تتوهموا منهما إرادة الهداية بل ( يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ) لا من الضلال لأنهما يريدان عزل فرعون عن ملكه بجعله عبدا لغيره فيقومان مقامه ويجعلان قومهما مكانكم ولا تنظروا إلى قوتكم على دفعهما لأنهما لا يستعملان قوتهما معكم بل يخرجانكم ( بِسِحْرِهِما ) الذي يريدان اعجازكم به هذا فعلهما في الامر الدنيوي ( وَ ) أما الأخروي فهما يريدان ان ( يَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى ) اى التي هي أكثر مشابهة للصواب لاتفاق العقلاء على استحسانها ( فَأَجْمِعُوا ) اى اعزموا ( كَيْدَكُمْ ) اى أسباب المعارضة في أوهام العامة ( ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ) فإنه أهيب في قلوب الرائين ( وَقَدْ أَفْلَحَ ) اى فاز بالانعامات العظيمة من فرعون وملئه ( الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى ) أي طلب العلو لنفسه فاجتهد ان يكون له الغلبة ( قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ ) أوّلا فيحصل لك الالقاء إذ لو ألقينا أولا تحيرت فلم يتأت لك القاء بعده ونحن لا نبالى بالقائك لكثرتنا ( وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ ) نحن الملقين لكوننا ( أَوَّلَ مَنْ أَلْقى قالَ بَلْ أَلْقُوا ) أولا فانى لا أبالي بما أرى من سحركم فالقوا ( فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ ) التي ألقوها ( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ ) اى يصل اليه من طريق الخيال الذي تحرّك ( مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ) باختيارها